ابن حزم

84

رسائل ابن حزم الأندلسي

لا يعين هو أيضا بشيء من المصلحة ؟ » « 1 » ولقد صدق ، ولعمري إن في كلامه من الحكم لما يستثير الهمم الساكنة إلى ما هيئت له . وأي كلام في نوع هذا أحسن من كلامه في تعاون « 2 » الناس . وقد نبه اللّه تعالى عباده بقوله وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ( المائدة : 2 ) فكل ما لمخلوق فيه مصلحة في دينه أو ما لا غنى للمرء عنه في دنياه فهو برّ وتقوى ، إذا استعان به على ما أمر اللّه وحضّ عليه . وأفضل ما استعمله المرء في دنياه ، بعد أداء ما يلزمه للّه تعالى في نفسه من تعلم اعتقاده من قول وعمل ، أن يعلم الناس دينهم الذي له خلقوا ، فيقودهم إلى رضى اللّه عزّ وجل ويخرجهم بلطف خالقه تعالى من الظلمة العميّة إلى النور الخالص ، ومن المضيق المهلك إلى السعة الرحبة ، ثم الحكم بالحق ، والمنع من الظلم ، والذب عن الحوزة بجهاد أهل الحرب والمحاربة « 3 » وأهل البغي ، وإقامة [ الناس ] « 4 » على ما خلقوا له من إقامة الدين الذي افترضه اللّه تعالى عليهم ، ثم العون في إحراز ما ذكرنا بكتابة واحتراز وقسمة وإقامة حدّ وقبض مال واجب قبضه وغير ذلك ، ثم هكذا أبدا كل ما فيه عون على ذلك حتى يبلغ الأمر إلى الصناعات التي لا غنى بالناس عنها . واعلم أن كل أحد من الناس ممن له تمييز صحيح فإنه لا يخلو من أن يكون موقنا بصحة المعاد بعد الموت وبالجزاء ، أو يكون شاكا في ذلك ، أو يكون معتقدا أن لا معاد ولا جزاء ، وإنما هي هذه الحياة الدنيا فقط . فإن كان ممن يوقن بالمعاد والجزاء فاللازم له إجهاد نفسه واستفراغ طوقه فيما يتخلص به من الهلكة في معاده ، ويكون حينئذ إذا اشتغل بغير ذلك وضيع ما فيه نجاته وخلاصه في الأبد ، فاسد التمييز

--> ( 1 ) نص هذه العبارة كما أوردها الحميدي في الجذوة ، مرويا عن ابن حزم : إن من العجب من يبقى في العالم دون تعاون على مصلحة ؛ أما يرى الحراث يحرث له والبناء يبني له والخراز يخرز له ؛ وسائر الناس كل يتولى شغلا له فيه مصلحة وبه إليه ضرورة أما يستحي أن يبقى عيالا على كل من في العالم ، ألا يعين هو أيضا بشيء من المصلحة ؟ ( الجذوة : 46 ) . ( 2 ) ص : كلام في نوع . ( 3 ) أهل المحاربة هم المفسدون في الأرض الذين حكم القرآن بأن يقتلوا أو يصلبوا أو ينفوا من الأرض . ( 4 ) زيادة لازمة .